بقلم: أحمد
التاريخ: 8 مايو 2026
تستعد ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستقبال الحدث الكروي الأضخم في التاريخ، حيث تشهد نسخة كأس العالم 2026 تحولاً جذرياً في خارطة الكرة العربية. لأول مرة منذ انطلاق المونديال عام 1934، نجحت 8 منتخبات عربية في حجز مقاعدها في النهائيات، مستفيدة من رفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 فريقاً، ومن التطور الهائل في منظومة كرة القدم في المنطقة. هذا التأهل الجماعي ليس مجرد رقم، بل هو إعلان عن حقبة جديدة ترفع فيها المنتخبات العربية شعار "المنافسة لا المشاركة"، مدفوعة بالإنجاز التاريخي للمغرب في قطر 2022. تتجه الأنظار الآن نحو "غزوة عربية" حقيقية في القارة الشمالية، حيث تتنوع الطموحات بين استعادة الأمجاد، وتثبيت الأقدام، وكتابة السطر الأول في تاريخ المشاركات العالمية.
المنتخبات المتأهلة رسمياً (المغرب، مصر، تونس، الجزائر، السعودية، قطر، العراق، والأردن) تمثل مزيجاً فريداً من المدارس الكروية؛ فبين القوة البدنية والتكتيكية لمنتخبات شمال أفريقيا، والمهارة الفنية العالية لمنتخبات عرب آسيا، يبدو أن المونديال القادم سيكون مختلفاً في نكهته وتأثيره. الجماهير العربية التي تنتشر في مختلف بقاع العالم، وتحديداً في أمريكا الشمالية، ستكون هي اللاعب رقم 12، مما يمنح هذه المنتخبات شعوراً باللعب على أرضها. إن هذا الحشد العربي الاستثنائي يضع المسؤولين والمدربين أمام تحدٍ كبير لتقديم صورة تليق بمستوى التطلعات، والعمل على تجاوز دور المجموعات كحد أدنى للمشاركة.
عمالقة إفريقيا: الرباعي الذهبي واستعادة الهيبة
يدخل المنتخب المغربي مونديال 2026 وهو يحمل على عاتقه إرث "أسود الأطلس" الذي أبهر العالم في النسخة الماضية. لم يعد المغرب مجرد منتخب يطمح للتأهل، بل أصبح أحد القوى المصنفة عالمياً التي يخشاها الكبار. باستقرار فني وتشكيلة تعج بالنجوم في أكبر الدوريات الأوروبية، يطمح رفاق حكيمي لكسر سقف التوقعات مجدداً. أما المنتخب المصري، فيعود للمونديال برغبة جامحة لتعويض غيابه الأخير، معولاً على خبرة نجومه وقدرتهم على التعامل مع الضغوط الكبرى، حيث يهدف "الفراعنة" لتجاوز الدور الأول لأول مرة في تاريخهم، متسلحين بجيل يجمع بين الخبرة والشباب.
من جانبهما، يدخل منتخبا تونس والجزائر البطولة بطموحات متشابهة؛ "نسور قرطاج" يبحثون عن كسر عقدة الدور الأول في مشاركتهم السابعة، مستمدين القوة من تنظيمهم الدفاعي المعروف. في المقابل، يعود "محاربو الصحراء" إلى المحفل العالمي بعد غياب، برغبة في استعادة ذكريات مونديال 2014، حيث كانت الجزائر قريبة من إقصاء ألمانيا. هذا الرباعي الإفريقي يمثل الركيزة الأساسية للتواجد العربي، وقدرتهم على الذهاب بعيداً في البطولة ستكون المؤشر الحقيقي لنجاح المشاركة العربية الإجمالية، خاصة مع تقارب مستوياتهم مع المدارس الأوروبية واللاتينية.
آسيا تتحدث بالعربي: عودة العراق ومعجزة الأردن
شهدت التصفيات الآسيوية إثارة من نوع خاص، حيث نجح المنتخب العراقي في العودة إلى مسرح كأس العالم بعد غياب طويل دام لأربعة عقود، وهو تأهل أعاد الروح لجمهور "أسود الرافدين". العراق يمتلك جيلاً موهوباً قادراً على إحداث المفاجآت، ويُنظر إليه كأحد الفرق التي تمتلك "روحاً قتالية" لا تلين. أما المفاجأة الأكبر والحدث الأبرز فهو تأهل المنتخب الأردني لأول مرة في تاريخه؛ "النشامى" الذين سطروا ملحمة في التصفيات أثبتوا أن التخطيط السليم والإرادة يصنعان المعجزات، وسيكون وجودهم في مونديال 2026 مكافأة عادلة لتطور الكرة الأردنية في السنوات الأخيرة.
المنتخب السعودي وقطر يكملان عقد المتأهلين الآسيويين؛ "الأخضر" السعودي يهدف لاستثمار خبراته المتراكمة ومشاركته البطولية في 2022 لتحقيق إنجاز يتجاوز دور الـ16، بينما يدخل "العنابي" القطري البطولة وهو متحرر من ضغوط الاستضافة التي واجهها في النسخة الماضية، مؤكداً أن تأهله هذه المرة جاء بجدارة واستحقاق فني داخل الميدان. هذا الرباعي الآسيوي يعكس التطور الهائل في القارة الصفراء، ويمتلك أدوات هجومية قادرة على إحراج أي منافس مهما كان اسمه، مما يجعلنا نترقب مباريات ملحمية للعرب في مدن مثل لوس أنجلوس، تورونتو، ومكسيكو سيتي.
التحديات اللوجستية وفرص التوهج في القارة الشمالية
تواجه المنتخبات العربية تحدياً فريداً في نسخة 2026 يتعلق باتساع الرقعة الجغرافية للبطولة والتنقل بين ثلاث دول كبيرة. عامل الوقت وفارق التوقيت والمناخ المتباين بين المدن المستضيفة يتطلب استعداداً بدنياً وذهنياً من نوع خاص. ومع ذلك، فإن النظام الجديد للبطولة الذي يضم 12 مجموعة يمنح فرصة أكبر للتأهل للدوار الإقصائية (حيث يتأهل أفضل أصحاب المركز الثالث أيضاً)، وهو ما يعزز من فرص رؤية أكثر من 4 أو 5 منتخبات عربية في دور الـ32. هذا النظام يخدم الفرق التي تمتلك نفساً طويلاً وقدرة على إدارة الموارد البشرية بذكاء خلال دور المجموعات.
فرص التوهج العربي في هذه النسخة تبدو أكبر من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب العدد، بل بسبب جودة اللاعبين العرب المحترفين في الخارج. نجد الآن في كل مركز لاعبين ينشطون في الدوريات الخمسة الكبرى، مما يقلل من "رهبة" مواجهة النجوم العالميين. إن التواجد العربي المكثف سيخلق حالة من الزخم الإعلامي والجماهيري غير المسبوق، وسيحول بعض المدن الأمريكية إلى "مناطق مشجعين" عربية بامتياز، وهو ما سيشكل ضغطاً إيجابياً على اللاعبين لتقديم أفضل ما لديهم في هذا العرس الكروي العالمي.
وجهة نظر بوابة كرة:
في "بوابة كرة"، نعتبر أن تأهل 8 منتخبات عربية هو الانتصار الأكبر للرياضة العربية في القرن الحادي والعشرين. لم يعد الطموح هو مجرد الظهور في الافتتاح، بل أصبحنا نتحدث عن منتخبات تمتلك الشخصية والقدرة على بلوغ الأدوار النهائية. نجاح هذه المشاركة سيعتمد بشكل أساسي على "التحضير الذهني" والابتعاد عن المبالغة في تقدير الخصوم. نسخة 2026 هي الفرصة الذهبية للعرب لإثبات أن إنجاز المغرب في 2022 لم يكن صدفة، بل كان الشرارة الأولى لثورة كروية عربية شاملة.
