بقلم: أحمد
التاريخ: 7 مايو 2026
لا تمر أحداث ريال مدريد مرور الكرام، فكل عثرة داخل أسوار "سانتياغو برنابيو" تتحول إلى مادة دسمة للتحليل والنقد، لكن المثير للدهشة هو حينما نجد تفسيراً لما يحدث اليوم في تصريحات تعود لسنوات مضت. تشابي ألونسو، المهندس الذي ضبط إيقاع وسط ميدان الملكي لسنوات، كان قد أدلى بتصريح سابق لخص فيه فلسفة التوازن والسيطرة، وهو الأمر الذي يبدو أن الفريق يفتقده بشدة في الوقت الراهن. إن ما يمر به "الميرينجي" اليوم من تخبط تكتيكي وتوتر بين النجوم ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تجاهل المبادئ الأساسية التي وضعها ألونسو كدستور للنجاح في مدريد، مما يجعلنا نعيد قراءة كلماته بعمق لفهم الفجوة التي تفصل بين جيل السيطرة وجيل الاندفاع البدني الحالي.
التوازن المفقود: صدى كلمات ألونسو في وسط الميدان
كان تشابي ألونسو دائماً ما يردد أن "كرة القدم لا تتعلق بالركض بل بالمركز والتحكم"، وهذه الجملة تحديداً هي ما يفتقده ريال مدريد في مواجهاته الكبرى مؤخراً. يمتلك الفريق اليوم عناصر تمتاز بسرعة فائقة وقدرات بدنية جبارة، أمثال فالفيردي وتشاوميني وكامافينجا، لكنهم في كثير من الأحيان يفتقرون إلى "البوصلة" التي كان يمثلها ألونسو. التصريح القديم لألونسو حول ضرورة وجود لاعب "يفكر" قبل أن "يركض" يتجلى بوضوح في العشوائية التي تضرب خط الوسط عند فقدان الكرة، حيث يندفع الجميع نحو الهجوم تاركين مساحات شاسعة في الخلف، وهو ما حذر منه ألونسو حين أكد أن القوة بلا عقل تكتيكي هي انتحار كروي في المستويات العالية.
هذا الغياب للاتزان الفني أدى إلى فقدان السيطرة على إيقاع المباريات، فبدلاً من أن يكون ريال مدريد هو من يملي شروطه، أصبح الفريق ينجرف وراء رتم المنافسين. إن نبوءة تشابي حول أهمية "التغطية الذكية" والتمركز الذي يغني عن الالتحام البدني العنيف تظهر اليوم كحقيقة مرة؛ فكثرة التدخلات الخشنة والشجارات التي نشبت مؤخراً بين اللاعبين في التدريبات ليست إلا تفريغاً لشحنات التوتر الناتج عن عدم الشعور بالراحة التكتيكية داخل الملعب، وهو الصداع الذي لم يجد له كارلو أنشيلوتي حلاً جذرياً حتى الآن.
صراع الأنا وضريبة النجومية: دروس من مدرسة "البروفيسور"
في أحد لقاءاته السابقة، تحدث تشابي ألونسو عن أن "النجومية في مدريد يجب أن تخدم القميص، لا أن يتصارع النجوم من أجل المساحة". هذا التصريح يضرب في مقتل ما يحدث حالياً من تضارب في الأدوار داخل الفريق، خاصة مع وصول صفقات كبرى وازدحام المراكز. ما قاله ألونسو عن ضرورة التضحية الفردية من أجل التوازن الجماعي يغيب عن المشهد الحالي، حيث نرى سباقاً خفياً بين اللاعبين على لقطات "الشو" والنجومية، مما أدى إلى شرخ في غرف الملابس. إن تدخل الإدارة مؤخراً لفض النزاعات بين اللاعبين يثبت أن الحكمة التي نطق بها ألونسو حول "وحدة الهدف" قد تلاشت خلف بريق العقود والإعلانات.
لقد كان ألونسو يدرك أن قوة ريال مدريد تكمن في قدرة النجوم على الانصهار في بوتقة واحدة، وهو الأمر الذي يبدو صعب المنال في ظل التركيبة الحالية التي تمتاز بالاندفاع والشباب. إن تصريح ألونسو عن "الهدوء تحت الضغط" هو الدرس الذي يحتاجه الجيل الحالي، فالعصبية المفرطة التي تظهر في المباريات والتدريبات هي انعكاس مباشر لفقدان الهوية الفنية التي كان ألونسو أحد حراسها. فبدون لاعب يمتلك كاريزما القيادة الهادئة، سيبقى الفريق عرضة للانفجارات الداخلية التي قد تطيح بطموحات الموسم بأكمله.
من الورق إلى الملعب: كيف يطبق ألونسو نظريته كمدرب ويحرج مدريد؟
المفارقة العجيبة هي أن تشابي ألونسو يطبق تصريحاته القديمة ونظرياته التكتيكية الآن كمدرب ناجح، مما يضع ريال مدريد في موقف محرج. فبينما يطبق ألونسو كرة قدم تعتمد على "الموضعة" والذكاء والمساحات، يعاني مدريد من "الفوضى المنظمة". تصريح ألونسو السابق بأن "المدرب هو من يمنح اللاعبين الأمان التكتيكي" يفسر لماذا يبدو لاعبو الفريق الملكي تائهين في بعض اللحظات المفصلية؛ فهم يمتلكون الموهبة لكنهم يفتقدون للنظام الصارم الذي نادى به ألونسو. إن المقارنة بين انضباط الفرق التي يدربها ألونسو وحالة التشتت في مدريد تؤكد أن كلمات المايسترو كانت خارطة طريق تم تجاهلها.
إن ما يحدث حالياً في ريال مدريد من تراجع في جودة البناء الهجومي وسهولة اختراق الدفاع هو النتيجة الطبيعية لعدم وجود "عقل مدبر" في الدائرة. تشابي ألونسو في تصريحاته لم يكن يتحدث عن نفسه، بل كان يصف "وظيفة" لا غنى عنها في أي فريق بطل. ومع غياب هذا الملف في مدريد، تحول الفريق إلى مجموعة من الجزر المنعزلة، حيث يحاول كل لاعب حل المشاكل بمهارته الفردية فقط، وهو ما لا يصمد طويلاً أمام المنظومات الجماعية المتكاملة التي طالما أشاد بها ألونسو واعتبرها سر التفوق الدائم.
وجهة نظر بوابة كرة:
إن العودة لتصريحات تشابي ألونسو تمنحنا فهماً أعمق للأزمة التي يعيشها ريال مدريد حالياً؛ فهي ليست أزمة أسماء أو إمكانيات، بل هي أزمة "نهج وتوازن". نرى في "بوابة كرة" أن على إدارة الملكي والجهاز الفني التوقف عن الجري وراء الصفقات البدنية فقط، والبحث عن استعادة "العقل" الذي كان يمثله ألونسو، فبدون توازن تكتيكي وهدوء في غرف الملابس، سيظل الفريق يدور في حلقة مفرغة من النتائج المذبذبة والتوترات الداخلية.
